الشيخ محمد رشيد رضا
369
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والاستفهام فيه للانكار والتعجيب ، أو التمهيد به إلى الرد عليه بتحدي التعجيز وهو قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في أسلوبه ونظمه وتأثيره وهدايته وعلمه مفتراة في موضوعها ، لا تلتزمون أن تكون حقا في اخبارها ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ واطلبوا للمظاهرة لكم والإعانة على ذلك من استطعتم دعاءهم من دون اللّه فان جميع الخلق بعجزون عن ذلك مثلكم ، فهذا كقوله تعالى ( 17 : 88 قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) وهذه الآية في سورة الإسراء وقد نزلت قبل يونس إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زعمكم أني افتريته . والجمهور على أن لفظ سورة هنا يصدق بالقصيرة كالطويلة وبينا وجهه في تفسير آية التحدي من سورة البقرة ( 2 : 23 ) وهو المتبادر من تنكير السورة إلا أن يقال إن التنكير للتعظيم أو لنوع من السور يدل عليه دليل كالسور التي فيها قصص الأنبياء وأخبار وعيد الدنيا والآخرة لان الافتراء تتعلق تهمته بالاخبار لا بالانشاء من أمر ونهي كما أشرت اليه في تفسير سورة البقرة ورجح بعضهم أن المراد السورة الطويلة أي مثل هذه السورة نفسها ( يونس ) في اشتمالها على أصول الدين والوعد والوعيد كما يطلق لفظ الكتاب أو كتاب أحيانا ويراد به السورة الواحدة التي يذكر فيها ، كقول من قال في أول سورة الأعراف ( المص ، كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ) أي هذه السورة كتاب الخ ومن تنكير لفظ سورة المراد بها النوع دون الوحدة قوله تعالى ( 47 : 20 وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ) أي يفرض فيها القتال بدليل قوله بعده ( فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ ) الآية . وسنعود إلى هذا البحث في تفسير التحدي بعشر سور مثله مفتريات من سورة هود إن شاء اللّه تعالى ومن المعلوم بالبداهة أنه ما كان لعاقل مثله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتحداهم هذا التحدي لو لم يكن عالما موقنا بأنه لا يستطيع الانس والجن الاتيان بمثل هذا القرآن في جملته ولا بسورة مثله لا أفراد العلماء والبلغاء منهم ولا جماعاتهم ولا جملتهم إن « تفسير القرآن الحكيم » « 47 » « الجزء الحادي عشر »